"النهار"     الاربعاء 18 كانون الثاني 2006

ايقنوسطاس كاتدرائية القديس جاورجيوس استعاد ايقوناته الاثرية و"همسات الروح"

تحقيق هالة حمصي

 

الصفحة الذهبية المنقوشة تحبس الانفاس. ايقنوسطاس كاتدرائية القديس جاورجيوس للروم الارثوذكس لبس "تيجانه"، وترصّع بـ"الملك والملكة"، وضمّ الى قلبه الرسل والقديسين والملائكة الاثريين. فاستعاد بهم اخيرا الذاكرة ورائحة بخور عتيق عمره قرون، واستراح مهيبا عند باب الهيكل، كأنه لم  يغب يوما،  ولم تسقط لآلئه، ولم تأكله النار.

 

فبعد علاج لجراحها وحروقها الكثيرة استغرق اعواما، استرجعت ايقونات الايقنوسطاس رونقها ومكانها الاصلي عليه. واطلت للمرة الاولى على ابناء الكاتدرائية الاحد 15 كانون الثاني الجاري، حاملة تاريخا وتراثا كنيسيين اختزنتهما في تقاسيم وجوهها السموية وحناياها، مثل صلوات وكتب واشعار الهية. ووقف بينها متروبوليت بيروت للروم الارثوذكس المطران الياس عودة رافعا الصلاة، متأملا، واعظا، وشاكرا.

 

لعل سرّها انها تذكّر، بقدمها وغناها، بذلك العهد، عهد الرب، "فالشة" اقواس قزح  وكلمات حياة من فم الله. وعندها تنحني الاجساد امام السيد، وهناك تمتم الشفاه بالحب وتقبّل الملكة كثيرا، ويحلو للعيون ان تتأمل السماء. وهي قريبة جدا.

صباح الخميس 12/1/2006، توقفت شاحنة صغيرة امام الكاتدرائية في ساحة النجمة.  في الصندوق الكبير، وضعت عشرات الايقونات ملفوفة باقمشة. 26 ايقونة نقلت في المرحلة الاولى من مطرانية بيروت للروم الارثوذكس، بينها خمس جديدة حلّت مكان الاصليات المفقودة، اضافة الى 3 ايقونات وصليبين كبيرين وملاكين و"المريمات" (4 قطع) نقلت من "الاكاديميا اللبنانية للفنون الجميلة" (البا) - سن الفيل، حيث رُممت. وتبعتها في اليوم التالي ثلاث ايقونات اخريات من المطرانية. وبدأ العمال بانزال حمولة الشاحنة بتأن، تحت انظار المسؤول عن ورشة الكاتدرائية المهندس نبيل عازار وكاهن الرعية الاب رومانوس جبران، في حضور فريق المرممات الذي اشرف على ترميم عدد كبير منها في الـ "البا". وشحذت الهمم وتسارعت الخطوات دخولا وخروجا، وتعاونت الايدي على حمل الايقونات الى داخل الهيكل. هناك وضعت موقتا، قبل ان تبدأ مرحلة وضع كل منها في مكانها على الايقنوسطاس.

الاب جبران يتعاون وأحدهم في حمل الصليب.

 

انزال ايقونة من على جدار في مطرانية بيروت.

 

الشعور رائع. حمل ايقونة واحدة من هذه الايقونات الاثرية، كحمل جزء ثمين من ذاكرة هذا المكان، وعمر مديد من الصلوات و"البصمات الالهية" والاسرار و"همسات الروح" التي ملأت ارجاءه قرونا. كل وجه سموي عاد ذلك اليوم، استعادت به الكاتدرائية ماضيها، تصالحت معه، عانقته، لبسته بفرح ملوّن، وضمته الى "جديدها" الجميل.

كل شيء كان منظما، محددا بوضوح على خرائط واضحة للايقنوسطاس وايقوناته…بحيث لا يبقى الا التركيب. وبسبب عدد الايقونات، تطلب الامر نحو يومين من العمل المتواصل لاعادتها الى مكانها الاصلي على الايقنوسطاس، كما كانت قبل اكثر من ثلاثة قرون، وكما وضعها الاولون. وكانت الدقة متناهية، لانه بين الايدي ايقونات تعود على الاقل الى القرن الثامن عشر، "ويرجح ان عددا كبيرا منها اقدم من الايقنوسطاس نفسه الذي يرجع تاريخه الى عام 1783، وبيّنت دراسات ان بعضها كُتِب قبل هذا التاريخ".

"رشة" اخيرة في موقع الكاتدرائية.

احدى عضوات فريق الترميم تلتقط صورا لايقونة النبي ايليا قبل ادخالها الكاتدرائية.

امام الايقنوسطاس المذهب، تنشدّ العيون الى 32 ايقونة على الاقل تمتد بين الارض والقبب، على 21 مترا طولا و8 امتار علوا من خشب الارز المنقوش. ولعل ابرزها واجملها، ايقونتا المسيح الضابط الكل (Pantocrator) والعذراء مريم "القائدة" (Hodigitria) اللتان عادتا لتتربعا في الايقنوسطاس الوسطي، الاولى الى اليمين والاخرى الى الشمال، وبينهما الباب الملوكي.

اليوم، اصبحتا قبلة انظار المؤمنين والزوار بعدما حفظتا في مطرانية بيروت اكثر من عامين. وبحسب المعلومات التاريخية المتوافرة، "يرجح ان تكون هاتان الايقونتان وصلتا الى الكاتدرائية بين عامي 1724 و1766، وقد رسمهما ايضا البطريرك الانطاكي آنذاك سيلفستر الذي اشتهر برسمه الايقونات وتقديمها الى الكنائس والاديرة".

وزير الثقافة طارق متري والمهندس عازار امام ايقونات الايقنوسطاس.

واحتلت الايقنوسطاس الوسطي ايضا، (من اليسار) ايقونتا القديس جاورجيوس شفيع الكنيسة او "صاحبها"، واقفا الى جانب العذراء مريم على ما يوجبه التقليد الكنسي، والقديسة كاترينا الجميلة الى جانب السيد المسيح، علما ان التقليد يوجب ان يقف القديس يوحنا المعمدان الى يسار المسيح، كونه سابق السيد (والعذراء مريم الى يمينه). لكن صغر حجم ايقونته اوجب وضع القديسة كاترينا مكانه. وهكذا جاء الترتيب كالآتي: (باب جانبي صغير) القديس جاورجيوس، العذراء مريم، (الباب الملوكي) الرب يسوع، القديسة كاترينا (باب جانبي صغير).

واستعاد الجزء العلوي من الايقنوسطاس الوسطي رسله ال 12 يتوسطها "السيد" كالآتي: (من اليسار) متياس، اندراوس، يعقوب، يوحنا الانجيلي، لوقا، بطرس، السيد على العرش، بولس، متى، مرقس، فيليبس، سمعان الغيور، وتوما. وعلت ذلك كله ايقونة العشاء السري، وهي جديدة رسمتها راهبات دير مار يعقوب للروم الارثوذكس- دده (الشمال)، وفوقها صليب كبير تحوط به (ايقونتا) مريم ويوحنا الحبيب (المريمات).  و"لبس" ايقنوسطاس الجزء الايمن (للناظر من الخارج) او ايقنوسطاس "مذبح النبي ايليا" ايقوناته. فأطلّ، من اليسار (وبعد باب جانبي صغير)، يوحنا العمدان، (فباب ملوكي)، ثم النبي ايليا. وعلتها خمس ايقونات لاعياد سيدية هي دخول السيد الى الهيكل، الظهور الالهي، الصعود، التجلي، واحياء لعازار، اضافة الى مكان خال لايقونة لم تقرر بعد. وفوقها كلها، ارتفع صليب كبير يحوطه ملاكان، علما ان الايقونة التي يجب ان تكون عند قاعدة الصليب لم تقرر بعد ايضا.

ايقونات الجزء العلوي في الايقنوسطاس الوسطي تعلوها ايقونة العشاء السري الجديدة والمريمات وصليب كبير.

غير ان ايقنوسطاس جهة الشمال او ايقنوسطاس "مذبح القديس نيقولاوس" فلم يستعد في جزئه السفلي ايقونتيه الاصليتين. فتخلف (من اليسار) القديس نيقولاوس ورئيس الملائكة ميخائيل بسبب ضرورات الترميم، وابقيت مكانهما موقتا صورتان نسخة عنهما، على ان تعود الاصليتان خلال اسبوعين تقريبا. وبذلك، يكون الترتيب: نيقولاوس، (باب ملوكي)، ميخائيل ثم (باب جانبي).

وفي المقابل، اكتملت ايقونات الجزء العلوي وكانت ستاً، منها خمس تمثل اعيادا سيدية هي (من اليسار) بشارة السيدة، ميلاد السيد، القيامة، العنصرة، والشعانين، اضافة الى القديسة بربارة. وفوقها كلها ايقونة ضيافة ابرهيم متوجة بصليب كبير تحوطه (ايقونتا) العذراء ويوحنا الحبيب (المريمات).

ومن المقرر ان تنضم ايقونات اخرى الى الايقنوسطاس، منها اثنتان ستوضعان على البابين الجانبيين للايقنوسطاس الشمال واليمين، لكنهما لم تقررا بعد.

كذلك، يشار الى ان الايقونات الخمس الجديدة التي رسمتها راهبات دير مار يعقوب هي، الى ايقونة العشاء السري التي تعلو الايقنوسطاس الوسطي، ايقونات الرسل لوقا، يوحنا الحبيب، اندراوس، وفيليبس.

الصفحة الذهبية المنقوشة تكاد ان تكتمل. صبراً، صبراً. من الآن تروي "الحكاية الالهية"، نقرأها ونبستم ابتسامة الاطفال، ونصغي اليها. وننتظر ان تتواصل الحكاية وتتجدد كل يوم.

ايقونات الايقنوسطاس الايمن.

وبدا يوحنا المعمدان والنبي ايليا في الجزء السفلي.

ايقنوسطاس جهة الشمال الذي ينتظر عودة ايقونتي نيقولاوس وميخائيل الاصليتين، بينما اكتلمت ايقونات جزئه العلوي. (ابرهيم الطويل)


ايقونة السيد الجالس على العرش.

 

ايقونة بشارة السيدة.

 

ايقونة دخول السيد الى الهيكل.

ايقونة ميلاد السيد.

ايقونة احياء لعازار.

ايقونة القيامة.(وسام موسى)